
بقلم: مها السعدي
في زمن تُباع فيه المبادئ بأبخس الأثمان، انهارت هيبة “السلطة الرابعة” في العراق، لتُعرض على رفوف الكيانات الوهمية كأي سلعة رخيصة. بمبلغ لا يكاد يكفي وجبة غداء واحدة — 25 ألف دينار فقط — يمكنك أن تصبح بين ليلة وضحاها: “إعلامياً بارزاً”، “مراسلاً حربياً ميدانياً”، أو حتى “محللاً سياسياً مرموقاً”!
هذه القطعة البلاستيكية الرخيصة تُخول لحاملها عبور السيطرات الأمنية بكل ثقة، واقتحام الدوائر الحكومية دون سؤال.. في بلد سفك أبناؤه أرواحاً غالية دفاعاً عن حرية الكلمة وكرامة الصحافة. فإذا ب”باج الصحافة” الذي كان يوماً وسام شرف يُرتدى بفخر، يتحول اليوم إلى مجرد تصريح مرور ورقي يُباع ويُشترى في سوق النخاسة الإعلامية المفتوح على مصراعيه.
“تجار الباجات”.. وهم الدورات وشقق بغداد المظلمة
لا تملك هذه “المؤسسات” مقرات فخمة، بل تتخذ من شقق ضيقة مجهولة العنوان في أحياء بغداد مقرات سرية، وتُروّج لنشاطها المشبوه عبر منصات التواصل، مستغلة شغف الشباب وطموحهم لدخول المهنة.
وخديعتهم بسيطة وممنهجة:
– دورات وهمية سريعة: لا تتجاوز ساعات معدودة، تُمنح بعدها ألقاباً إعلامية لمن لا يفرق بين الخبر الصحفي والتقرير الإعلاني، ولا يميز بين الكلمة المسؤولة والكلمة المأجورة.
– غطاء قانوني واهٍ: يختبئون خلف أرقام انتساب لاتحادات ومنظمات مبهمة غير معروفة المصدر، ليُضفوا على تجارتهم صفة “الشرعية” بعيداً عن أي رقابة أو مساءلة.
الكارثة.. صحافة الابتزاز حين تُباع المهنة برخص التراب
إن إغراق الساحة الإعلامية بهذا الكم الهائل من “حاملي الباجات التجارية” خلق واقعاً خطيراً لا يُحمد عقباه:
– ميوعة المهنة وضياع هيبتها: صار المشهد مزدحماً بمن لا يملك أدنى مقومات المهنة، يمتهنون الابتزاز ضد المسؤولين والمواطنين على حد سواء، مستغلين “الباج” درعاً وغطاءً لمصالحهم الشخصية.
– فقدان المصداقية.. الثقة التي تحطمت: لم يعد أحد — لا المواطن ولا المسؤول — قادراً على التمييز بين الصحفي المهني الذي يحمل همّ وطنه، وبين “الدخيل” الذي اشترى لقبه بثمن بخس. فسقطت المصداقية، وهوت السمعة.
– فوضى لا ضابط لها: تُستخدم هذه الهويات المزيفة لارتكاب التجاوزات والاعتداءات، وسط غياب تام للقانون، وغياب أشدّ لمن يُطبّقه.
أين الرقابة؟.. وأين من يُحاسب؟
هنا تبرز الأسئلة الأكثر إحراجاً والأكثر إلحاحاً:
– أين هيئة الإعلام والاتصالات؟ هي الجهة المسؤولة عن تنظيم المشهد الإعلامي برمته.. لماذا تغضّ الطرف عن هذه الكيانات الوهمية التي تعمل بلا ترخيص، وتُنافس بثمن بخس المؤسسات المهنية الرصينة التي بُنيت بجهد وصدق؟
– وأين نقابة الصحفيين العراقيين؟ الملاذ والمرجعية الشرعية لأصحاب الكلمة.. متى تتحرك لتُنصف من صانع المهنة الحقيقي، وتُطهّر الساحة من هؤلاء الذين يبيعون هيبة الصحافة العراقية “برخص التراب”؟
أيها السادة.. الصحافة ليست قطعة بلاستيك تُباع في السوق، ولا لقباً يُشترى بالمال. الصحافة وطن وأمانة، ومسؤولية لا يقدر عليها إلا من يُحافظ على شرف الكلمة وكرامة القلم. فمتى نغلق هذه “الدكاكين” التي شوهت وجه الإعلام العراقي؟ ومتى نعيد للسلطة الرابعة هيبتها التي سُلبت؟
اترك تعليقًا