بغداد – تقرير: مها السعدي

في حي الجهاد.. غرب العاصمة بغداد..
لم يعد الحديث عن المنازل وقطع الأراضي مجرد تفاصيل عقارية أو معاملات ورقية.. بل تحول إلى أزمة حقيقية تمس جوهر الاستقرار.. لعشرات العائلات تؤكد أنها اشترت مساكنها وفق الأصول والقانون.. لتكتشف فجأة أن ما كانت تعتبره ملكية راسخة ومؤمنة.. لم يعد كذلك.

تعود جذور القصة إلى أكثر من عشر سنوات مضت.. وتحديداً في محلة 883 وما جاورها.. حين أُبرمت صفقات البيع والشراء بموجب سندات طابو رسمية.. مختومة وموثقة.. وتم تدقيقها والموافقة عليها في دوائر التسجيل المختصة.. دون أي ملاحظات أو علامات استفهام.
عاشت العائلات في منازلها آمنة لسنوات طوال.. بل وجددت معاملاتها ووثائقها مراراً.. فازدادت ثقتها بأن وضعها القانوني سليم بلا شك.

لكن المشهد انقلب رأساً على عقب.. مع إعادة فتح ملفات تحقيق قديمة تتعلق بعمليات تزوير – كما أوضحت وزارة العدل في بيانها السابق حول منطقة العامرية –
وكشفت التحقيقات عن سلسلة معاملات جرت بشكل مكثف بين عامي 2013 و2016.. تورطت فيها شبكات منظمة.. بالتعاون مع موظفين داخل الدوائر الرسمية.. تم تحديد هوياتهم وإحالتهم إلى القضاء.. وصدرت أحكام بحق كثير منهم.. إضافة إلى إجراءات حجز ومصادرة للأموال والموجودات.

وتؤكد الوزارة أن الجانب الجنائي عولج وأُغلق.. وأن لجان التحقيق المتخصصة أنهت أعمالها بالكامل.. لكن ما لم ينتهِ ولم يُحسم بعد.. هو الأثر الموجع والملموس على أرض الواقع؛
ففي حي الجهاد والمناطق المجاورة.. بدأ المواطنون يتلقون تنبيهات وتبليغات تشير بوضوح إلى خلل في سنداتهم.. أو تعارض في بيانات الملكية.. أو ارتباط العقار بعمليات تزوير سابقة لم يكونوا على علم بها أصلاً.

وبحسب ما توصلت إليه التحقيقات الرسمية.. بلغ عدد أفراد هذه الشبكة المنظمة قرابة سبعين شخصاً.. بينهم معاونة مدير دائرة التسجيل العقاري في الكرخ الثانية.. وعشرات الموظفين والمتعاونين.. ممن يُشتبه بتورطهم في بيع أراضٍ تابعة للدولة – لأمانة بغداد ووزارة المالية – بطرق ملتوية وغير مشروعة.

ولم يكن أسلوب التلاعب عشوائياً أو بسيطاً.. بل جاء مدروساً ومنظماً بدقة: تم العبث بالأضابير والملفات الأصلية.. واستخراج وثائق ملكية مزورة تحمل طابع الرسمية الكامل.. وربطها ببيانات عقارات حقيقية قائمة.. مع تغيير المعطيات أو نقل القيود من ملف إلى آخر.. لتبدو كل معاملة سليمة ومقنعة لمن يراها من الخارج.. بينما انهار أساسها القانوني في الخفاء.
ومع مرور السنوات وتوالي الصفقات.. تداولت هذه العقارات بين مشترين جدد – كثير منهم لم يراجع الدوائر لفترات طويلة اطمئناناً لوضعه – ليجدوا أنفسهم اليوم في قلب المشكلة ودائرة الخطر.

والواقع أن نطاق الأزمة لا يقتصر على حي الجهاد وحده.. بل امتد ليشمل مناطق أخرى كحي الأطباء وحي الحسين.. حيث تظهر ذات الحالات وتتكرر الإشكالات حول صحة السندات وتعارض القيود.

وما يصفه السكان بأنه المفارقة الأكثر قسوة ووجعاً.. هو أنهم جميعاً مشترون بحسن نية تام.. دفعوا الأثمان كاملة وبأموالهم الخاصة.. بنوا مساكنهم واستقروا فيها وعمروها لسنوات طويلة.. ليجدوا أنفسهم فجأة أمام خيارات صعبة ومؤلمة بلا حل واضح: إعادة تسوية الوضع ودفع المبلغ مجدداً.. أو مواجهة خطر الإخلاء والتهجير.. أو الدخول في نزاعات قضائية طويلة ومعقدة ومكلفة تستنزف الجهد والوقت.

من جهتها.. تؤكد الجهات الرسمية أن المسؤولين عن هذه العمليات قد حوسبوا ونالوا جزاءهم.. وأن إجراءات التدقيق والرقابة المعتمدة اليوم أصبحت أكثر صرامة ودقة لمنع تكرار مثل هذه المآسي.. لكن آثار الماضي لا تزال تمتد بثقلها إلى الحاضر.. وتظهر كلما خضعت القيود والسجلات القديمة للمراجعة أو التدقيق.

وبين رواية قانونية تقول إن الملفات عولجت وأغلقت.. وواقع يومي ملموس يهدد الناس بفقدان مساكنهم ومستقبل أسرهم.. يبقى السؤال الأهم والأكثر إلحاحاً بلا إجابة واضحة حتى اللحظة:
كيف يمكن حماية المواطن الذي يلتزم بالقانون ويشتري بحسن نية.. كي لا يتحول – هو أيضاً – إلى الضحية الثانية لجريمة ارتكبت من داخل مؤسسات الدولة نفسها؟

أضف تعليق

Recent posts

Quote of the week

"People ask me what I do in the winter when there's no baseball. I'll tell you what I do. I stare out the window and wait for spring."

~ Rogers Hornsby
تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ